23 أبريل 2008

يوم جئت إلى هنا

يوم جئت إلى هنا

"طلبت منا المعلمة نكتب موضوع عن اليوم اللي نولدنا فيه ...." كم أربكني التفكير بهذا الموضوع حتى اخذ مني زمنا لصياغة الجمل و تقديم المساعدة لابنة أخي في كتابته. أذكر أني كنت أسأل أمي دائما أن تقص علي حكاية يوم ميلادي ، فتبدأ بالحديث و يستمع كياني لقصتي ، استمتع و أبتسم و اضحك و أخجل و أحيانا تغرورق العينين و القلب مني دمعا .. لا أدري لماذا.. اليوم الذي جئت فيه صادف موعد قدوم أبي من الرحلة العظيمة قبل الرحلة الأخيرة ، موعد قدومه من الحج . وددت استقباله و تهنئته بالرجوع بالسلامة بنفس الليلة..... و أتيت و هنئت أبي.

أحاول الآن استرجاع ما كنت أفكر فيه وقتها، يمكن أن أتخيل فرحتي بحضن أمي و أبي، أو أن أتخيل جموع المتوافدين للتهنئة و ضحكات النساء و قصصهن في جلساتهن مع أمي . أو ربما أسترجع رائحة القرفة بالجوز و اللوز التي أعدتها أختي للقادمات . اقتراب إخوتي الكبار مني و طلبهم المتكرر من أمي أن يأخذوني بأحضانهم و رفض أمي بالمقابل أن تجعل الصغير من إخوتي من أخذي.أم هل أذكر ألم أمي و وجعها ..لا بل تلك ابتسامتها بوجهي الصغير و فرحة عينيها بقدومي. وقتها كم سمعت اسمي يتكرر ، فكان السؤال الغالب بعد قول "الحمد الله ع سلامتك" هو " شو سميتوها؟ " و أمي تردد و أبي يردد و إخوتي يرددون "صفا"...و طالما أسأل نفسي عندما رآني أبي و أمي لأول مرة، ما الذي فكرا فيه؟ هل رأوا أيامي القادمة أم بل هي فرحة قدومي من أنساهم التفكير بما سيأتي؟ و عندما أطلق علي أبي اسمي، ما الذي توقعه لتلك الحروف من أن تختزنه في جسد تلك الرضيعة.طالما سألت نفسي و تساءلت مع من أشاركهم تساؤلاتي، عن ماهية أسمائنا ؟ ماذا أرادوا لنا ؟ وماذا حلموا ؟...نحن الآن ما ماهية أسمائنا لنا ؟ ترى هل أنجزنا ما أرادوا؟ أم هل حققنا بعض ما حلموا به؟

تلك السنة عندما كان موعد مجيئي إلى هنا..جلست ابحث عن أهم ما حدث في ذكرى مجيئي ..وجدت الكثير من النكبات و الانتصارات التي أتت مبكرا و لم تنتظرني و أخرى انتظرت موعد قدومي و أتت و تلك التي ستأتي و لكن تريد لي زمنا أعيشه وحدي ...ولكن ما أذكره تماما هو ذكرى مجزرة " صبرا و شتيلا" فالفارق بيني و بينها سنتين .. أحتفل بها و تحتفل بي ... تروي لي حكايا ضحاياها و تريني صورهم، وأروي لها حكاياتي الصغيرة .... و يمر بنا الزمن و نفترق على أمل اللقاء السنة القادمة لمواصلة الحديث . فهي ستخبرني عن آخر ما توصلت له الكتابات و القراءات و تحليلات المحللين بخصوصها و أنا سأنتظرها ... هي ستبقى هنا و أنا سأذهب...

يوم جئت هنا .. يربكنا و نحاول تجاهله أحيانا ... منا من فقد قريبا يوم أتى..منا من رفض أهله قدومه في حينها ... منا من رفضه المجتمع و عزله ... و منا من قدم و رحل في الوقت نفسه .. و منا من لم يأت و ظل هنالك في رحم أمه مشروع ولادة فاشلة..

اليوم نحن هنا ...و تلك الأرقام التي نحتفل بها ما زالت تتقدم بنا و نحن نخضع لها و نتبعها بصمت و شموع و قالب حلوى..

بسمة أمي و حضنها .. ...أبي و ابتسامته بوجه أمي و تهنئته لها بالسلامة .. و أنا أنظر لهما معا هو ما تبقى لي من يوم جئت إلى هنا ...

هناك تعليقان (2):

غير معرف يقول...

لكل إنسان ولادتان الأولي تلك التي تتحدثين عنها ، والثانية تبدأ عندماتحقيقين حلما وهدفا في حياتك عندما تجدين نفسك في مرآة الزمن ،عند منتصف الطريق ، تتجاذبك عدة اتجاهات وانت حائرة،لحظة انبثاق السعادة في القلوب البرئية، تجدد في النفس كل الآمال
في كل يوم يولد الناس ويموتون
تشرق الشمس وتغيب،ويتجدد الأمل
نولد ونحن نبكي والناس ن حولنا يضحكون
ونرحل والناس من حولنا يبكون
انها الحياة.

صفا حجه يقول...

زياد...
أظن انني في طور المجيء ثانية إلى هنا..و آمل أن أضحك معهم هذه المرة

حياتك ولادات جديدة مثمرة ...زياد