01 مارس 2008

في حينا ...سائق

في حينا …سائق

في حينا تستفيق الدور على" زمامير الفوردات " قبيل صياح الديك ...و يتسابق السائقين إلى الخروج من البلدة و "لم الحمولة" على حد تعبيرهم ، فالطريق المؤدية إلى رام الله و خاصة من جنين صعبة جدا "و لازم يوصلوا بدري ع الحاجز قبل الازمة" . .. قشعريرة تسري في الأبدان و دخان سجائر السائق يتطاير في السيارة باعثا ما تعتريه أنفاسه من قلق و توتر.. فسائقنا يخاف أن يلزمه الجنود بالرجوع من حيث أتى فهم على حد تعبيره " كل يوم بوجي"..

موحشا كان الطريق و أجسادنا ترجف على المقاعد..توقفنا فجأة، و إذا هو أول حاجز و لكن تابعنا الطريق .. حاجز آخر ،توقفنا، ثم تابعنا .... و ما يزال الدخان يتصاعد من سجائر السائق و من رافقنا من رجال حينا.. أنا فتحت النافذة فالدخان يقتلني و الفتاة الأخرى تمسكني من الخلف " بهمش سكّري الشباك ، متنا من السقعة" كانت فتاة من فتيات حينا تخرجت من الجامعة قبل أعوام و لم تجد عملا" جنين ميته ما فيها شغل : و المعاش زفت" فقررت أن تحمل حقيبتها و ترحل إلى رام الله ففرص العمل كثيرة و الراتب معقول. و كم هي سعيدة بالرحيل ، فأمامها فرصة كبيرة للتعرف على مجتمع و أناس جدد و الأهم "في شغل" ...و قد مررنا عن جسم من آليات الاحتلال الخضر على مفترق طرق ، و لكن لم توقفنا فاستغرب الجميع فهي فارغة لا أثر للجنود فيها أو حولها ...أين ذهبوا ؟ لإعداد خطة لجحيم آخر أو لتضليل " الزباين " ربما .... و صلنا أخيرا إلى "عنّاب" و السائق واثق فقد انتقى زبائنه هو الآخر بحرص فأغلبية الركاب من الإناث و معه رجلين تزيد أعمارهم على 35 عاما... و لكن ماذا حدث ؟ لماذا منعونا من المرور؟ بل و طلبوا منا الرجوع ؟ سألوه فهو من كان يتكلم معهم ، و أجاب "لأنكم كلكم هوية جنين"...و بدأنا رحلة جديدة و الشمس لم تستفق بعد... و السائق المسكين بدأ يفرغ غضبه في المحمول ...فاتصل بالآخرين و اخبرهم بطريقة خففت من حدة توترنا " يا زلمة نكيتهم نكا...اثنين ختايره و خمس بنات " و كرر هذه الجملة و كررته..كما و لم يترك صاحبيه فيلقي اللوم عليهم في حظه المتعثر . و كان الحل هو الاتجاه نحو طريق التفافية فقطعنا السهل و قطعنا ..و مررنا بالعديد من القرى و منها ما عرفناه و ما لم نعرفه ..و علّق احدهم " ولو هاي البلد من عشرين سنه نفس الاشي ، جينا مرة عليها في الثمانينات اعملنا عمل تطوعي مع الجامعة..نفس الدور و نفس البنا...." فرد عليه السائق " وك ما هدول مانعينهم اليهود يبنوا فيها أي حجر"..و الطريق جميلة التي قطعناها ، فالقرى استفاقت مع إشراقة الشمس الجميلة و ضحكت السناسل ، حجارتها تستقبل الصبح السعيد ...و تلك أشجار اللوز لم تفارقنا و نوّار اللوز سعيد استفاق باكرا بعد معركة وحشية مع برد الليلة الماضية... و ها نحن نقترب و كم أحبها تلك اللافتة "إلى بيرزيت" ...فعندما أراها أحس في الأمان فقد وصلنا و هو كعادته مكتظ مزدحم ، يحفل بصراخ السواقيين و نداءات بياعين القهوة .فالكل أتى من اتجاه يقصد اتجاه آخر و المعبر "حاجز عطاره"... و الآن فتحت حقيبتي و تناولت الأجرة و دفعت للسائق كما فعل غيري فهذه محطتنا و موعدنا للدفع.. تبدد دخان السجائر، ضحك السائق و تفرقنا ...

و زهر اللوز هناك على قارعات الطريق و في الحقول ما يزال يبتسم بخجل في وجوه المارة..و الطريق طويل و لكن محطتنا الأخيرة هناك حيث لن يضطر سائق حينا إلى الوقوف طويلا خائفا من الرجوع للخلف.

ليست هناك تعليقات: