04 يوليو 2008

حنة يا حنة ...يا قطر الندى

حنة يا حنة ...يا قطر الندى

حنة يا حنة يا حنة يا قطر الندى، يا شباك حبيبي يا عيني جلاب الهوى...يحكي أن قطر الندى كانت أجمل نساء عصرها، تزوجت بالخليفة العباسي المعتضد. فانتقلت من قصر أبيها في مصر إلى قصر زوجها في بغداد. و يذكر التاريخ مسيرة القافلة و محطات وقوفها حيث ذكر أن أباها كان يبني لها قصرا لا يقل جمالا و إبداعا في التصميم المعماري عن القصر الذي نشأت فيه، كي لا تشعر بالغربة. و الجميل في قصتنا أن قطر الندى أنذرت نذرا بأن تتزين كافة النساء و الفتيات بالحناء على طول المسافة التي تقطعها. و كان ذلك و أخذوا يرددون لها حنة يا حنة يا حنة ...يا قطر الندى..

و من ذلك التاريخ أصبحت كل أنثى مهما زاد جمالها أو قل قطر الندى، و خاصة هن العرائس تتزين الحناء. فصديقتي اليوم قطر الندى العروس و الليلة التي سبقت بزوغ فجر اليوم كانت ليلة حنائها، ما أجمل الموقف و كم هو محزن طريف. بداية كان تجمع النساء بعد العودة من صالة الأفراح حيث كانت "تلبيسة" العروس، تجمعت نساء العائلة و الأقارب و كنت أنا، كم هو جميل و نسائي حديثهن عندما بدأن بانتقاد أهل العريس و ما فعلت تلك و كيف كانت تتصرف ابنة خال العريس، و ماذا فعلت تلك ابنة أبصر مين من عائلة العريس. تحدثن عن الحفلة و كيف كان الحضور و من حضر و من لم يحضر. لحظات من الصمت الخفيف و يبدأ فراس كرم "يلعلع" كعادتة في الأعراس. و تبدأ الحاضرات بالرقص و يأخذ عمو"شخصيا نسونجي" و آخرون مجدهم و هن مجدهن يتمايلن على أنغامهم.

و أخيرا حضرت، كم كنت متشوقة لها و لسماع الكلمات التي ترافق إيقاعها. أتت زوجة الخال مصاحبة لها "الدربكة"، و ذلك المحيط الدائري الأنثوي حول قطر الندى و بدأن " ما تعيطش ... اوعي تخربي المكياج..و أخرى ترد هو في حدا بعيط هالايام ، و تلك ع مين بدها تعيط .. و تلك بنا نعيطها اليوم بلاش تعيط يوم طلعتها ... " و هي كم صامتة أمها جلست تنظر لها و تنظر و كما قالت إحداهن" خالتي واقفة ع كلمة و بتبلش عياط" حبست دموعها حتى بدأت الدربكة مرافقة صوت حزين أو تعمد أن يتقمص صوت الحزن كي تبكي و نبكي على نبرة و وقع كلمات " يا لمي يا لمي هيلي مخداتي .. و اطلعي برة و ناديلي ع رفكاتي... و يا يختي هيلي مشط راسي ..الليلة عندك و بكرة من الصبح ماشي" كنت بجانبها فأخذت تهمس لي و لأختها " صحيح أنا نسيت أحط المشط" ... كما رددن " ع الشوملي ع الشوملي ، الله معاكم يا هلي..ع الشوملي شمّل شمال، جابو العرايس ع الجمال، الله يهدو من زمان و احرمت اني شوفة هلي...ايده على بيدر قمح ..حامل بيييييدووه ضمة قمح ...جيبة لابو محمد رمح ...يطلع و يلاكي الشومالي....." و نزلت أم فلان على الساحة تميل بها "الطبلة" على الجنبين و إذا بها تلك تطلب من أخرى أن "تزعق لها" و بعد أن عرفت أنها أم فلان بدأت" اييييييييييه يم فلان يا ميييييريييه ...ايييييه من كفا الباب منييييييرييه ،...اييييييه يا خشة اهلك و زوجك و ولاددك عليكي ...اييييييييييييه يا تسوى قبييلييييييه...لولولولولوليش" و أحلى إشي بدأت زوجة الخال بتوزيع "المحارم" على الجالسات بدعوة مفتوحة للبكاء و تطلب من قطر الندى أن لا تستمع لهن و لا تذرف دموعها.. و الجميل في الموضوع أن العروس و من في عمرها و أصغر لم تستوعب أي منهن ماذا كن هن النساء يرددن.. فهن رددن الشوملي و بكين و حدهن...و رجع نسونجي للساحة...

أخذ يتناقص عدد الحاضرات و حضرت الحنة و التففنا حول العروس...لم تحضر كما كانت قديما في طبق مزين بالورود و الشموع، بل حضرت في أنبوب يعكس تقدم الزمن و التغير المرافق في العادات و التقاليد. بقيت مراسيم ليلة الحناء و لكن مراسيم على الطراز الحديث حيث للأغاني الحديثة النصيب الأوفر، أما الطبلة و أغاني التراث و الفنون الشعبية كما يطلق عليها أخذت تتراجع للخلف، و قلة من يستذكرون كلماتها من الجيل الصغير. حضرت الحنة و إذا بأخت العروس تحضر كفوف خاصة جاهزة للحنة بحيث تقوم بتعبئة الفراغات بالحنة و يظهر النقش بعد إزالتها.. و طلبنا منها أن تقوم بالرسم اليدوي فهو أجمل و وضعنا كفة تحت اختبار النقش اليدوي، كم كان جميلا و كم كانت بارعة . تمسك بكف عروستنا كما لو كانت لوحة فنية و تنتبه لكل التفاصيل الدقيقة و تنحني بالرسم مع انحناءات شرايين باطن كفها..فرفعنا الكف الاصطناعي و أكملت هي النقش . و نحن من حولها ننظر و ننتظر الدور لتنقش لنا أو ربما لتكون إحدانا قطر الندى التالية.. و ضعت كفي و طلبت منها أن تنقش لي فأنا صديقة العروس، و نقشت لي على ظاهر كفي و أنا أردد مع من مسكن الطبلة " يا يما ما احلا الحبايب لِن عبرن الدار، يا يما يا يما فراك الحبايب يكوي كيي النار...يا يما محلا الحبايب لِن عبرن البيت، يا يما فراك الحبايب يكوي كي الزيت...يا يما محلا الحبايب محل طلتهن، يا يما روحي العزيزة سارحة معهن... يا يما محلا الحبايب محلا فوتتهن عنا، يا يما فراك الحبايب رح يجننا" ...مددنا كفوفنا ننتظر أن تجف الحنة، قامت قطر الندى غسلت الحنة و كم كانت رائعة ولكن بقيت تمد كفيها معنا و في حجرها "البشكير" كي لا يتسخ ثوبها تتمعن في حناها، و انحناءات نقشها، قطرات الندى في عينيها تأبي أن تتساقط بالرغم من جميع المحاولات لإسقاطها و كما قالت إحداهن" الوحدة بتكون منجنة تا تتجوز بنتها و تا يجيها نصيب بتصير تعيط"...

وكان الختام بتوزيع فنجان قهوة على الحاضرات، كم احتجت إليه و أتى في موعده كالعادة و كان آخر ما رددته هي من عشقت أصابعها اللعب على الدربكة" يا بنات شدن من عزايمكن، و السنة ما فيش جيزة إلكن...و السنة الجاي بتيجي خضرا، بتنفق البضة و السمرا"..

هناك تعليقان (2):

محمد العيسة يقول...

ما أطول نفسك .
اسجل حضوري الدائم.

صفا حجه يقول...

هلا حلونجي..

و هدا اختصرت الله وكيلك..

يسعدني حضورك..